سيد محمد طنطاوي
119
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقيل : المعنى : مالكم لا تعلمون للَّه عظمة . . أولا ترون للَّه عظمة . . أو لا تبالون أن للَّه عظمة . . والوقار : العظمة ، والتوقير : التعظيم . . « 1 » . وبعد هذا الترغيب والترهيب والتوبيخ . . أخذ في لفت أنظارهم إلى عجائب صنع اللَّه في خلقه ، فقال : * ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً . وجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ، وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) * . والاستفهام في قوله : * ( أَلَمْ تَرَوْا . . ) * للتقرير ، والرؤية : بصرية وعلمية ، لأنهم يشاهدون مخلوقات اللَّه - تعالى - ويعلمون أنه - سبحانه - هو الخالق . و * ( طِباقاً ) * أي : متطابقة كل طبقة أعلى من التي تحتها . أي : لقد علمتم ورأيتم أن اللَّه - تعالى - هو الذي خلق * ( سَبْعَ سَماواتٍ ) * متطابقة ، بعضها فوق بعض * ( وجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) * أي : وجعل - سبحانه - بقدرته القمر في السماء الدنيا نورا للأرض ومن فيها . وإنما قال * ( فِيهِنَّ ) * مع أنه في السماء الدنيا ، لأنها محاطة بسائر السماوات فما فيها يكون كأنه في الكل . أو لأن كل واحدة منها شفافة ، فيرى الكل كأنه سماء واحدة . فساغ أن يقال فيهن . وقوله : * ( وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) * أي : كالسراج في إضاءتها وتوهجها وإزالة ظلمة الليل ، إذ السراج هو المصباح الزاهر نوره ، الذي يضيء ما حوله . قال الآلوسي : قوله * ( وجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) * أي : منورا لوجه الأرض في ظلمة الليل ، وجعله فيهن مع أنه في إحداهن - وهي السماء الدنيا - ، كما يقال : زيد في بغداد وهو في بقعة منها . والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية ، وكونها طباقا شفافة . * ( وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) * يزيل الظلمة . . وتنوينه للتعظيم ، وفي الكلام تشبيه بليغ ، ولكون السراج أعرف وأقرب ، جعل مشبها به ، ولاعتبار التعدي إلى الغير في مفهومه بخلاف النور ، كان أبلغ منه . « 2 » . وقال بعض العلماء : وفي جعل القمر نورا ، إيماء إلى أن ضوء القمر ليس من ذاته . فإن القمر مظلم . وإنما يستضيء بانعكاس أشعة الشمس على ما يستقبلها من وجهه ، بحسب اختلاف ذلك الاستقبال من تبعض وتمام ، هو أثر ظهوره هلالا . . ثم بدرا .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 303 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 75 .